header
حول إعلان الأزهر للمواطنة ولقاء سيدة اللويزة

لدينا ثلاثةُ محاور أو أولويات على المستوى اللبناني، والمستوى العربي العام. والأَولويات هي: استعادةُ السكينة في الدين وإليه، وتجديدُ وإصلاح تجربة الدولة الوطنية، ومُراجعةُ العلائق مع العالم ثقافةً وسياسات واستراتيجيات .

في المسألة الأولى، أي استعادة السكينة في الدين، طرأت مشكلتان: مشكلة التطرف باتجاه الانشقاقات، ومشكلة الانقسامات الداخلية في الدين إلى مذاهبَ وطوائف وجماعات متذرّرة ومنعزلة أو متفجّرة. وفي المشكلتين، والأولى أخطَر، كانت هناك جهودٌ قامت بها المؤسسات الدينية، لاستعادة الزمام، والحيلولة دون ظهور أجيالٍ جديدةٍ تمضي باتجاه التطرف. ونحن نعرفُ أنّ  المؤتمرالأول للأزهر عام 2014، والذي حضره عشرات اللبنانيين مسيحيين ومسلمين، كان هدفُهُ مكافحة التطرف والإرهاب، باعتبار التطرف مؤدياً إليه. وما تزالُ الجهودُ قائمةً ومتتابعة؛ وبخاصةٍ لدى  المؤسسات الدينية الإسلامية. وما عانى المجتمعُ اللبناني لهذه الجهة ما عانته المجتمعات العربيةُ الأُخرى. لكننا نحن اللبنانيين نُعاني منذ القديم من الطائفية والمذهبية، واللتين قام عليهما النظامُ السياسيُّ وما تزالان تنخرانه حتى العظْم، وتحولان دون تطورالنظام وتطويره. وهكذا فإذا كان المُرادُ إحقاق مقولة العيش المشترك- وهي مقولةٌ لبنانية عريقة؛ فإنّ ذلك يحتاجُ إلى أمرين:
    التأهُّل من جانب المؤسسات الدينية والثقافية، وذلك بالمعرفة والمتابعة والإدارة والاستنارة والتنظيم، والتضامُن بين سائر الفئات الدينية والثقافية والفكرية والسياسية، المهتمة والمهمومة فعلاً بوحدة المجتمعات واستقرارها. الدينُ كما نعرفه في خطر، والمجتمعاتُ في أخطار. ونحن بحاجةٍ من أجل الاستقرار الاجتماعي والسياسي إلى مكافحة التطرف الذي يُشرذم الأديان والمجتمعات، وإلى مكافحة استثمار السياسيين للطائفيـة والمذهبية واللتين تُحـوِّلان العـيش المشتـرك إلى مُساكنة بدلاً عن المواطنة.

أما المسألةُ الثانية أو الأولويةُ الثانية فهي التجديدُ والإصلاحُ في تجربة الدولة الوطنية في لبنان والعالم العربي. لقد فشلت التجربةُ في عدة بلدانٍ عربية، صارت مواطن ومستنقعاتٍ لحروبٍ أهلية وإقليمية ودولية. والدولةُ الوطنيةُ في لبنان، والنظام السياسي اللبناني، يعانيان من تأزمٍ شديد. وإذا كان الملفُّ الأولُ،  أي الديني، تتقدمُ فيه مسؤوليات المؤسسات الدينية، وإن لم تنحصرْ بها وبرجال الدين كما سبق القول؛ فإنّ ملفّ الدولة الوطنية ونظامها السياسي، تقعُ بشأنه المسؤوليةُ على عاتق السياسيين وإن لم تنحصر بهم. إعلانُ الأزهر تحدث مراراً عن الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية القائمة على المواطنة. والمفروض أننا نملكُ ذلك كلَّه في لبنان، فلماذا التأزُّمُ الهائلُ إذن؟ إنّ الذي أراهُ أنّ التأزُّم الحاصلَ له علتان: مطامحُ  ومطامعُ الغَلَبة من جهة، وإصرار الراديكاليين من السياسيين على الفصل بين اللنبانيين مسيحيين ومسلمين، وسنةً وشيعة. وكما لم نخضع لأوهام التطرف والإرهاب والدولة الدينية؛ فكذلك لا ينبغي الخضوع لهذه الانفصاليات التي تُخِلُّ بالعيش المشترك وبالدستور. وهكذا فإنّ النُخَب الثقافية والفكرية والدينية والسياسية، وبالنضال السلمي الوطني والثقافي والسياسي، يكون عليها أن تنهضَ لاستعادة العناويين والأولويات الوطنية والدستورية للمواطنة والعيش المشترك. لقد  نشبت  في بلادنا نزاعاتٌ أهليةٌ سياسيةٌ ومسلَّحة بدعاوى الظلم والهضم والغُبن. أما اليوم فكلُّ اللبنانيين مُصابون ومظلومون ومغبونون بدولتهم ونظامهم السياسي. فلتظهر جبهاتٌ وتحالُفاتُ تضامُنٍ غير طائفية ولا مذهبية  ولا انقسامية من أجل إحقاق الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية المدنية. إنّ طموحنا ينبغي أن يكونَ في الدين كما في الدولة والنظام السياسي: استعادة سطوة وسلطة وطموحات الـ Main Stream أوالغالبية في دولةٍ وطنيةٍ ديمقراطية ذات سيادةٍ واستقلال. لقد تحدث إعلانُ الأزهر عن الدولة الوطنية الدستورية التي تحمي الناس وتصونُ مصالحهم، ولا تعلو على سلطتها وشرعيتها أي سلطةٍ أو شرعيةٍ أُخرى، لأنها دولة المواطنين الأحرار.

أما المسألةُ الثالثةُ أو الأولوية الثالثة فهي لتصحيح العلائق بالعالم. وقد تحدث إعلانُ الأزهر عن استعادة الصِلات الودية بالجهات الدينية في العالم، والوصول من هذه الطريق لمكافحة وتجاوُز الإسلاموفوبيا ودعوات الكراهية، وسواء أكانت آتيةً من جهاتٍ عندنا أو في العالم. وقد كان اللبنانيون في نخبهم ومجتمعاتهم وحركتهم ومؤسساتهم وفي علاقاتهم يؤدون هذا الدور على مدى عقود. إنما مع تكاثر الأزمات في النظام السياسي وفي المجتمع، ما عادت دعوةُ لبنان مسموعة أو قائمة. فإذا أردْنا نحن اللبنانيين استعادة هذا الدور، وهذه الرسالة، بحسب مقولة البابا يوحنا بولس الثاني؛ ورغبة الأزهر؛ فإنّ ذلك يشترط أمرين: أن يُظهر عيشُنا المشترك نجاحاً من جديد لجهة الانفتاح بين فئاته، ولجهة فتح النظام السياسي على التطورالمدني الديمقراطي، وأن يستعيد نظامُنا السياسي من خلال ذلك عافيته وشرعيته وثقة المواطنين به.

بيد أنّ تصحيح العلاقة بالعالم يحتاج  إلى ما هو أكثر من التضامُن الداخلي. إنها تحتاجُ إلى أنظمةٍ سياسيةٍ عربية غير تابعة لا في الإقليم، ولا على المستوى الدولي. ليست هناك منطقة في العالم اليوم، فيها جيوش وميليشيات وقواعد أجنبية أكثر من المنطقة العربية. وما عاد هناك بلدٌ مستعمَرٌ في العالم غير فلسطين العربية. ولذا فإنّ جزءًا كبيراً من تصحيح العلاقة بالعالم،  يتمثل  من جديد في نهوض الدولة الوطنية العربية، والنظام العربي العام، والذي يبعثُ على الاحترام.

لقد كان مؤتمر الأزهر وإعلانُه للمواطنة والعيش المشترك مُدهشاً في الوعي والبصيرة وإرادة النهوض. والمدهشُ أيضاً وأيضاً هذا الذي نشهدُهُ اليوم برعاية غبطة البطريرك الراعي وبحضور هذه النخبة الكبيرة والمستنيرة من اللبنانيين. هذا هو الأملُ، الذي يبعثُ على العمل في شتى الاتجاهات، لتكونَ لنا حياة، وتكونَ حياةً أفضل!



name country